السيد حيدر الآملي

334

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( القوى في الإنسان بمثابة الملائكة في العالم فلا يعرف مقدارها ) والغرض من هذا النقل وهو أنه إذا كانت القوى في الإنسان الصغير بمثابة الملائكة في الإنسان الكبير ، فكيف يمكن معرفة قلَّة قوى الإنسان وكثرتها ، فإنّ الملائكة غير قابلة للحصر والعدّ كقوله تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ سورة المدّثر : 31 ] . غاية ما في الباب يعرف أنّ هناك ملائكة سماويّة وملائكة أرضيّة ، وأنّ هناك قوّة روحانيّة وقوّة جسمانيّة ، وأنّها حجب وموانع ، من المطلوب الحقيقي في الصورتين ويسمّى اللطيف منها بالنّورانيّة والكثيف بالظَّلمانية ، وإلَّا حصرها وعدّها بحسب الجزئي ما يمكن ، لأنّه خارج عن وسع الإنسان ، وليس أيضا شرطا في حصول كله ومعرفته كما هو مقرّر عند أهله ، وحجب الإنسان لو لم يكن مع الإنسان ولم يكن له ( أنّه ) مانعة من الوصول إلى الحق لم يكن يقول اللَّه ( تعالى ) في حقه : ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً [ سورة الحاقّة : 32 ] . ( دعوة الإنسان إلى معرفة نفسه ) فإنّه إشارة إلى حجبه المذكورة وتعلَّقاته المعلومة ، وكماله ومعرفته ووصوله إلى المطلوب لو لم يكن موقوفا على عبوره عن هذه الحجب ووصوله إلى معرفة النّفس ، لم يكن يقول اللَّه عزّ وجلّ مخاطبا له : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [ سورة الذّاريات : 21 ] . ولم يكن يقول : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ سورة الإسراء : 14 ] . ولم يكن يقول اللَّه : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه ُ الْحَقُّ [ سورة فصّلت : 53 ] . ولم يكن يقول النبيّ ( ص ) : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » [ قد مرّت الإشارة إليه في التعليقة 35 فراجع ] .